جيرار جهامي ، سميح دغيم

546

الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )

كل ما يقع ، بيد أن الأحداث الشخصية هي مسؤولية الإنسان . هذه النظرة إلى التاريخ متأتّية من كون التاريخ يلقي الضوء على تواريخ السير ، وعلى الخبرات الماضية المفيدة في فهم تطوّر الأمّة . وهو من هذا المنظور يلعب دور الإيديولوجيا في حفظ عقيدة الجماعة . * في العلوم الاجتماعية والسياسية - مع ابن خلدون أصبح التاريخ علما له قواعد وأصول . وعلميّة التاريخ هنا تعني خضوعه للحتميات السببيّة ، بحيث يختفي دور الأشخاص فيه لتحلّ القوانين العامة مكانه . فالتاريخ هو الذي يسيّر الأشخاص والأحداث وفقا لقواعد مضبوطة وضمن حركة طبيعية وحتمية واقعة . وعلمية التاريخ تقتضي تحديد موضوعه وقواعد قراءة هذا الموضوع . فموضوعه هو العمران البشري بحركتيه الستاتيكية التي تصنّف المجتمعات وفقا لوقائع طبيعية وجغرافية واقتصادية ( عمران بدوي - عمران حضري ) ؛ والديناميكية التي تدرس كيفية تطوّر المجتمعات وانتقالها من حال إلى حال على مجمل الصعد : الاجتماعية ( من رابطة العصبية الدموية في القبيلة والعمران البدوي إلى الفردية في الدولة والعمران الحضري ) ، والاقتصادية ( من ضرورات المعاش إلى الكماليات ) ، والسياسية ( من نظام الرئاسة في القبيلة إلى نظام الملك في الدولة ) . أما في كيفية كتابة التاريخ وقواعد قراءته ، فيظهر الفكر النقدي جليّا عند ابن خلدون من خلال تشديده على قانوني السببيّة الطبيعيّة والإمكان والاستحالة ، وذلك لتمحيص الأخبار ومعرفة صدقها من كذبها . ولا يقتصر الأمر على هذه المعطيات فقط ، بل إن الهدف هو ضبط حركة المجتمعات من خلال هذين القانونين لاستخلاص القوانين المتحكّمة بهذه العملية . هذه هي بداية النظرة العلمية للتاريخ من خلال تحديد موضوعه ومن خلال تحديد أدوات إنتاجه . * في الفكر الحديث والمعاصر - نظر حديثا إلى التاريخ مميّزا عن الإخبار ، فلم يعد مجرّد حكايات وسرد لقصص اندثرت وماتت ، بل هو فعل فكر يحيي الحاضر من خلال التفكير في الماضي . ويرى أنطون سعاده أن التاريخ يكمن في مجرى مسار الأمّة ، أي في ديناميتها لا في بنيتها . فالتاريخ عنده هو التاريخ القومي التي تعيّنه وحدة الأمّة في معاناتها . إن التاريخ ليس معطى جامدا ، بل هو حركة تطوّرية متفاعلة بعلاقات جدلية ، ومعناه الأساسي يكمن ليس في الظواهر ذاتها بل في حركتها . فإذا تناولنا البنية القبلية عند ابن خلدون مثلا وجدناها بنية تاريخية اجتماعية ، وهي محرّكة حتى للعقيدة الدينية والتي هي لا تاريخية . فالوحي عندما يصل إلى الناس ويخبر عنه يصبح في مسار التاريخ . هذه هي العلاقة التي تحدّث عنها ابن خلدون بين العصبية والدين ، وكيف يمكن للدين أن ينتشر بفعل قوة العصبية ، وبالتالي تصبح هناك علاقة بين الغيبي والاجتماعي ، بمعنى مراعاة الديني لشروط وطبائع العمران ( الاجتماعي ) . وإذا كان التاريخ التقليدي